النويري

402

نهاية الأرب في فنون الأدب

ما أجفاك وأفظَّك وأقسى قلبك وأغلظك ! أنت يا ابن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنم منى ! » قال : فدعا عمارة بن عقبة بماء بارد فصبّ له في قدح ، فأخذ يشرب فامتلأ القدح دما : فعل ذلك ثلاثا ، ثم قال : لو كان من الرّزق المقسوم لشربته . وأدخل على ابن زياد ، فلم يسلم عليه بالإمرة ، فقال له الحرسى : ألا تسلَّم على الأمير . فقال : إن كان يريد قتلى فما سلامي عليه ! وإن كان لا يريده فليكثرنّ تسليمي عليه . فقال ابن زياد : لعمري لتقتلنّ . قال : فدعني أوصى إلى بعض قومي . قال : افعل . فقال لعمر بن سعد بن أبي وقّاص : « إن بيني وبينك قرابة ، ولى إليك حاجة وهى سر » . فلم يمكنه من ذكرها ، فقال له ابن زياد : لا تمتنع من حاجة ابن عمك . فقام معه ، فقال : « إن علىّ بالكوفة دينا استدنته [ 1 ] أنفقته : سبعمائة درهم ، فاقضها عنّى ، وانظر جثّتى فاستوهبها فوارها ، وابعث إلى الحسين فاردده » . فقال عمر لابن زياد : أتدري ما سارّنى ؟ فقال : أكثرتم على ابن عمك ؛ فقال : الأمر أكبر من هذا . قال : اكتم على ابن عمك : قال الأمر أكبر من هذا ، وأخبره بما قال . فقال ابن زياد لا يخونك الأمين ، ولكن قد يؤتمن الخائن . أمّا مالك فهو لك تصنع به ما شئت ، وأمّا حسين فإن لم يردنا لم نرده : وإن أرادنا لم نكفّ عنه ، وأمّا جشّته فإنا لا نشفّعك فيها » وقيل : إنه قال : وأمّا جثته فإذا قتلناه لا نبالى ما صنع بها . ثم قال : يا ابن عقيل ، أتيت الناس وأمرهم جميع وكلمتهم واحدة

--> [ 1 ] في تاريخ الطبري ج 4 ص 282 : « استدنته منذ قدمت الكوفة » .